فخر الدين الرازي
7
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وحد أولا ثم جمع ، ومثله قوله : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ [ النجم : 26 ] ثم قال : شَفاعَتُهُمْ وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ * [ الأنعام : 25 ] وقال في موضع آخر : يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ * [ يونس : 42 ] [ الإسراء : 47 ] وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ [ محمد : 16 ] ولم يقل : خرج ، واعلم أنا لما فسرنا قوله : مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ بالإخلاص فلنذكر هاهنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل : المسألة الأولى : في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام : « إنما الأعمال بالنيات » ، و قال : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم » وفي الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى اللّه تعالى إلى نبيهم قل له : إن اللّه قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به . المسألة الثانية : الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب ، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه ، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن ، إذا عرفت هذا فنقول : الباعث على الفعل إما أن يكون أمرا واحدا ، وإما أن يكون أمرين ، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلا بالبعث ، أو لا يكون واحد منهما مستقلا بذلك ، أو يكون أحدهما مستقلا بذلك دون الآخر ، فهذه أقسام أربعة . الأول : أن يكون الباعث واحدا / وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر ، فهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى العمل بموجبها إخلاصا . الثاني : أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان ، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقا له ، وكونه فقيرا ، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء ، واسم هذا موافقة الباعث . الثالث : أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد ، لكن المجموع مستقل ، واسم هذا مشاركة . الرابع : أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضدا مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم ، واسم هذا معاونة . المسألة الثالثة : في تفسير قوله عليه السلام : « نية المؤمن خير من عمله » ذكروا فيه وجوها . أحدها : أن النية سر ، والعمل علن ، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية ، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرا من نفس الصلاة . وثانيها : النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا تدوم ، والدائم خير من المنقطع ، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل ، وأيضا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة ، والأعمال تدوم ، وثالثها : أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده ، وهو ضعيف ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه ، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية . ورابعها : أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله ، وهو ضعيف ، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات ، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال : النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة ، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق ، وإذا كان كذلك : ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل ، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل ، وبيانه من وجوه . أولها : أن